الخطيب الشربيني

438

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

العمل بالبينة ؟ نبه على أظهر من قواعد الدنيا بقوله تعالى مهولا : الْيَوْمَ على النسق الماضي في مظهر العظمة ؛ لأنه أليق بالتهويل نَخْتِمُ أي : بما لنا من عظيم القدرة عَلى أَفْواهِهِمْ أي : الكفار لاجترائهم على الكذب كقوله سبحانه وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ أي : بما عملوا إقرارا هو أعظم شهادة وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ أي : عليهم بكلام بين هو مع كونه شهادة إقرار بِما كانُوا أي : في الدنيا بجبلاتهم يَكْسِبُونَ فكل عضو ينطق بما صدر عنه ، فالآية من الاحتباك أثبت الكلام للأيدي أولا : لأنها كانت مباشرة دليلا على حذفه من حيز الأرجل ثانيا : وأثبت الشهادة للأرجل ثانيا ؛ لأنها كانت حاضرة دليلا على حذفها من حيز الأيدي أولا . وتقريبه : أن قول المباشر إقرار وقول الحاضر شهادة ، وفي كيفية هذا الختم وجهان أقواهما أن الله تعالى يسكت ألسنتهم ، وينطق جوارحهم فتشهد عليهم ، وإن ذلك في قدرة الله تعالى يسير ، أما الإسكات فلا خفاء فيه ، وأما الإنطاق فإن اللسان عضو متحرك بحركة مخصوصة فجاز تحريك غيره بمثلها والله سبحانه قادر على كل الممكنات . والوجه الآخر : أنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم ، وانتهاك أستارهم فيقفون ناكسي الرؤوس لا يجدون عذرا فيعتذرون ، ولا مجال توبة فيستغفرون وتكلم الأيدي هو ظهور الأمر بحيث لا يسمع منه الإنكار كقول القائل : الحيطان تبكي على صاحب الدار إشارة إلى ظهور الحزن . والصحيح الأول لما روى أبو هريرة : « أن ناسا سألوا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال : هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا : لا يا رسول الله قال : فهل تضارون في رؤية الشمس عند الظهيرة ليست في سحاب قالوا : لا يا رسول الله قال : والذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم كما لا تضارون في رؤيتهما قال : فيلقى العبد فيقول : ألم أكرمك ألم أسودك ألم أزوجك ألم أسخر لك الخيل والإبل وأتركك تتزايد وتترافع قال : بلى يا رب قال : فظننت أنك ملاقي فيقول : لا يا رب فيقول اليوم أنساك كما نسيتني إلى أن قال : ثم يلقى الثالث فيقول : ما أنت فيقول : أنا عبدك آمنت بك وبنبيك وبكتابك وصمت وصليت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع ثم قال : فيقال له : أفلا نبعث عليك شاهدنا قال : فيفكر في نفسه من الذي يشهد عليه فيختم على فيه ، فيقال لفخذه : انطقي قال : فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل ، قال : وذلك المنافق وذلك ليعذر من نفسه وذلك الذي سخط الله عليه » « 1 » . ولما روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال : « كنا عند رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فضحك فقال : هل تدرون مم أضحك قال : قلنا : الله ورسوله أعلم قال : من مخاطبة العبد ربه قال : يقول العبد : يا رب ألم تجرني من الظلم فيقول : بلى فيقول فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني فيقول تعالى كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ [ الإسراء : 14 ] وبالكرام الكاتبين شهودا فيختم على فيه ويقول لأركانه : انطقي ، فتنطق بأعماله ثم يخلي بينه وبين الكلام فيقول : بعدا لكنّ أو سحقا فعنكن كنت أناضل » « 2 » وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « أول ما يسأل من أحدكم فخذه وكفه » « 3 » .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الزهد حديث 2968 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الزهد حديث 2969 . ( 3 ) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 19 / 407 ، وأخرجه أحمد في المسند 4 / 447 ، 5 / 3 ، بلفظ : « أول ما يعرب عن أحدكم فخذه » .